منوعات

فنون الانتفاضة اللبنانية تشبهها… شبابية ومتنوعة

<p>غرافيتي لحسين العطار الذي قتل في الأيام الأولى من الانتفاضة اللبنانية (اندبندنت عربية)</p>

هل يمكن القول إن انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 في لبنان قد صنعت فناً خاصاً بها؟ الإجابة طبعاً بالإيجاب، لكن هذا الفن يشبهها تقريباً، أي أنه بلا توّجه محدد وقوي وحاد ويصيب ما يريده، وفي الوقت عينه مبعثر ومتنوع ولا يشكل وحدة محددة.

تعاقب أشكال التعبير

كانت الحشود التي ترفع العلم اللبناني بكثافة من دون غيره من الأعلام، تشكّل مشاهد فنية بالتناغم الذي أرسته، خصوصاً أن العلم اللبناني نفسه بلونيه الأحمر والأبيض والأرزة التي تتوسطه يساعد في تحقيق هذه المشهدية، لذا تبدو كل الصور الملتقطة من الأعلى للحشود مع أعلامها كأنها بحر من اللونين المتناغمين، لكن الحشود تطلق الشعارات وترددها، وهنا بدأ النوع الثاني من الأعمال الفنية في الظهور.

وبالطبع هذا لم يكن حكراً على الانتفاضة اللبنانية، ففي كل ثورات العالم العربي ظهرت شعارات جديدة ومختلفة ومستلة من عوالم أغاني الراب والهيب هوب أو من الأغاني الشعبية التي تُردد في كل بلد، إلا أن اللبنانيين استخدموا في البداية جملة واحدة جعلوها مبدأ كل شعار، وراحت تنتقل بين المتظاهرين من ساحة إلى أخرى بسرعة البرق إما بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي أو بواسطة المتظاهرين أنفسهم، ثم أضيفت إليها شعارات أخرى مختلفة كتبها شعراء شباب أو نُسخت من تصريحات المسؤولين وجرى تحويلها إلى ما يشبه السخرية، إلى أن طغى عليها شعار “الهيلا هيلا هو”، الذي تضاف إليه جملة أخرى من قبيل “الطريق مسكر يا حلو” أو “الشعب اللبناني شو حلو”.

والشعارات على اختلافها تضاف إليها الطرق التي اعتمدها المتظاهرون للتعبير من رفع الأعلام اللبنانية من دون غيرها، وإقامة حلقات الدبكة وحلقات النقاش الثقافية والسياسية، وهذه كلها رفدت فنون الانتفاضة.

كل الشعارات التي رفعت كانت ذات نكهة شبابية لبنانية تحمل الكثير من السخرية وكذلك من الصواب والحدّة في التعبير، خصوصاً أن المنتفضين عوّضوا سلمية اعتراضهم بالشعارات الحادة والموسيقية، لذا كان كل حشد أو تظاهرة يرافقها الطبل والدربكة وبعض أدوات العزف النفخية، فهذه الآلات مرتبطة بترديد الشعار نفسه، وكذلك بتجميع الحشد وتسييره في إيقاع متناسق، وقد أبدى هؤلاء الشباب منذ البداية وعياً في تركيب جملهم، التي لامست المشكلات والهموم اليومية للمواطن اللبناني، واستمدت قوتها من الإيمان المتزايد بالقدرة على تحقيق الانتفاضة أهدافها.

إذاً، هكذا كانت الفنون الثورية “البدائية” تتوالد من بعضها البعض، قبل أن تتبلوّر في أشكال فنية معينة، فمن الحشد حامل الأعلام انطلقت الشعارات المغناة، ومن تلك الشعارات ظهرت “قبضة الثورة”، التي ارتفعت في الحد الفاصل بين بيروت الشرقية والغربية، قبل أن يتم إحراقها من قبل بعض المعتدين، ولكن إحراق القبضة حمل المنتفضين على رفع أخرى بدلاً عنها وأكبر منها، ومن ثم تم جعل هذه القبضة شعار الساحات في طرابلس وصيدا وبعلبك وصور والنبطية وقب الياس وغيرها من المناطق المحتّجة، لكن قبضة الانتفاضة البيروتية، تم تدعيمها بمجسّم لطائر الفينيق الذي شُكِل من أعمدة الخيام التي دُمرت على أيدي المعتدين من قبل الفنانة والرسامة حياة ناظر (32 عاماً)، التي تقول إن طائر الفينيق يذكرنا بأننا كلبنانيين علينا ألا نيأس، ثم تكررّت هذه المجسّمات في كل المناطق التي تعرضت مواقع المتظاهرين فيها للاعتداء والحرق والتكسير، فكان مجسّم النبطية المصنوع أيضاً من الحطام والركام، ومجسما صور وبعلبك، وجميع هذه المجسمات صنعت على أيدي فنانين محليين، منهم النحاتين والرسامين والعاملين في “أشغال التجهيز”.

الغرافيتي… حائط الثورة

رسم “الغرافيتي” اختصاص الشبان في الشوارع بانتفاضة أو من دونها، فكيف الحال بفناني الغرافيتي اللبنانيين الذين وجدوا متنفساً لهم في جدران الانتفاضة، بعدما كان ممنوعاً عليهم الرسم على أي جدار من دون الحصول على إذن من البلدية المعنية أو القوى الأمنية.

انطلق الشباب برسم الغرافيتي من دون تردد وكأنهم انفلتوا من أصفاد كانت تقيّدهم، وبعض هذه الرسوم كان وليد اللحظة، وبعضها كان مختمراً في مخيلات الفنانين، وبعضها كان متقناً، وبعضها الآخر كان عبارة عن خربشات أو جملة شعاراتية مكتوبة كيفما اتُفق.

إلا أن رسوم الغرافيتي باتت تغطي ما اتُفق على تسميته “حائط الثورة”، وهو جدار ضخم يحمي مقر الإسكوا التابع للأمم المتحدة، وبين هذه الرسوم، راقصة باليه تدور تحت القذائف وخلفها كلمة “ثوري”، ورُسمت على مسافة قريبة يد كبيرة لونها بنفسجي ترفع شارة النصر.

وانتشرت على جدران مبان مجاورة، لوحات وشعارات برذاذ ملّون أو عبر الطباعة، ومن بينها “نريد إحراق قصوركم” و”جوعتمونا” و”ثورتنا نسوية”، كما انتشرت رسوم كاريكاتورية لزعماء وسياسيين تصوّرهم في أحوال ووضعيات ساخرة.

وبالطبع، فإن بروز الغرافيتي لم يكن حكراً على الانتفاضة اللبنانية فهو انتشر في معظم العواصم العربية أثناء الثورة، وبالأخص في القاهرة التي أبدع رسّاموها “غرافيتيات” غاية في الروعة، وبعضها يختصر آلام أجيال كاملة من المقهورين والمعانين من تسلّط الأنظمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولم تقتصر رسوم الغرافيتي على وسط بيروت، ففي مدينة طرابلس التي لم يتوقف أهلها عن التظاهر يومياً، تحوّل مبنى من طبقات عدة يشرف على ساحة النور، ساحة التظاهر المركزية، إلى لوحة عملاقة في الهواء الطلق. وتمتلئ واجهات المبنى برسومات يزينها علم لبناني ضخم وشعارات عدة أبرزها “لبنان ينتفض” و”طرابلس مدينة السلام”، وعلى واجهة خلفية للمبنى، رسم الفنان الفلسطيني السوري غياث الروبي، صورة كبيرة للضحية علاء أبو فخر، ومن خلال حملات تبرّعات متدرّجة أطلقها الفنان محمد الأبرش من حسابه في “فيسبوك”، رسم على الحائط نفسه بورتريه لحسين العطّار، الذي قُتل في الأيام الأولى من الانتفاضة، وأضاء خلفيته السوداء بهالة فوسفورية، منضماً إلى بورتريه أبو فخر وزوجته وابنه، الذين رسمهم زميله غياث.

وأما في الرسم فقد أقيم عدد من المعارض لفنانين لبنانيين وعرب، كان آخرها معرض “لبنان” في غاليري “آرت أون 56” في الجميزة، وهو مستمر حتى 25 فبراير (شباط) 2020، ويشارك فيه 16 فناناً من لبنان وسوريا والعراق رغبوا في التعبير عن مساندتهم البلد في الظروف الصعبة التي يمر بها، فهم حضّروا لهذا الحدث الفني ليواكب بلوحاته وقطعه الفنية من منحوتات وتجهيزات ما يجري حالياً على أرض وطن استقبلهم بترحاب، فكانت بينهم وبينه رابطة حب وعاطفة، ومن الفنانين سهام عجرم وجورج باسيل ووسام بيضون وزينة بدران وزهير دباغ وجوانا فارس، جوهانا جونسون أبشي وديالا خضري ورفيق مجذوب وغيرهم، إلى جانب فنانين سوريين هما غيلان صفدي ومحمد المفتي، ومن العراق الفنان أحمد البحراني.

الكاريكاتور والتصوير والمسرح وتظاهرة الفنانين

جذبت الانتفاضة العديد من رسامي الكاريكاتور، و”طش فش”، وهي دار النشر التي تعمل على تشجيع الشباب والمواهب العربية الصاعدة في فن الكاريكاتور والشرائط المصورة، وقد أصدرت منشوراً في عدد خاص حمل اسم “ثورة لبنان”، وقد شارك فيها عدد من الفنانين اللبنانيين والعرب في لوحات وشرائط مصوّرة تحيي الانتفاضة وتكشف عن وجوهها الحضارية المختلفة، ونذكر من المشاركين في هذا العدد الخاص الفنانين جميل ملاعب وتياري شهاب ولينا مرهج وأنور الزعتري وغيرهم من لبنان، وسارة قائد من البحرين ومحمد عبد المنعم رخا من مصر، ورسم للراحل ناجي العلي.

وكان لرسام الكاريكاتور الأردني عماد حجاج تأثّره في الثورة اللبنانية، إذ استعاد في تصويره لهذا الحراك الشعبي، لوحة فرنسية ذائعة الصيت تُعرف بـ”الحرية تقود الشعب”، ثم هناك رسومات الفنان حبيب حداد التي ينشرها أسبوعياً في صحيفة “العربي الجديد”، وكذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتي يجري تناقلها عبر الصفحات كي يراها أكبر قدر من المتابعين، عدا عن الرسومات الكاريكاتورية اليومية التي تنتشر في الصحف اللبنانية، كتلك التي يرسمها أرمان حمصي وسعد حاجو وبليبل وغيرهم، وكلها تتناول يوميات الانتفاضة بأفكار ثاقبة وتجديدية تبتغي مجاراة التجديد والتقدم التعبيري الذي يطلقه المحتجون في كل الساحات.

وكان للتصوير الفوتوغرافي المحترف حصته منذ بداية الانتفاضة، وقد درجت مواقع عالمية على نشر صور متنوعة المصادر لتغطية الاحتجاجات في لبنان، مع تزايد حصة المصورين الفنانين عموماً، على حساب الصور التي ينتجها مصورون صحافيون، ويعود ذلك بشكل أساس، إلى حاجة هذه المواقع إلى وجهات نظر جديدة، وسط دفق بصري سببته الثورات المندلعة بشكل متزامن حول العالم.

لكن الفنانين على اختلاف مشاربهم الفنية لم يكتفوا بالعمل داخل محترفاتهم أو مسارحهم، فقاموا بالتظاهر تحت عنوان “استقلال الثقافة”، أمام “بيت بيروت” في السوديكو، ولم تختلف الشعارات المرفوعة من قبل العاملين في المجال الثقافي عن تلك المنادى بها منذ بداية الانتفاضة، فرُددت هتافات ضدّ الفساد والنظام الطائفي وسلطة رأس المال.

ويعاني العاملون في الوسط الثقافي والفني من أزمات إضافية، خصوصاً في قطاع عملهم، كغياب الضمان الاجتماعي والحماية القانونية وانعدام الدعم الحكومي لهذا القطاع.

subtitle: 
انطلق الشباب برسم الغرافيتي من دون تردد كأنهم انفلتوا من أصفاد كانت تقيّدهم
publication date: 
الأربعاء, ديسمبر 25, 2019 – 16:30

Source link

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق